تتذكر جيهان سعد الليلة التي تحوّل فيها زوجها وشقيقها إلى اسمين آخرين على قائمة لم تنتهِ بعد، رغم مرور عقد كامل. كان ذلك عام 2016 في قرية البوعكاش الصغيرة بمحافظة الأنبار العراقية، أثناء العملية العسكرية لتحرير المنطقة من تنظيم الدولة الإسلامية. أُخرجت العائلات من منازلها ليلاً، وفُصل الرجال عن النساء لما سُمي “تدقيقاً أمنياً”، ثم لم يُعِد أحد الرجال إلى ذويهم. تصف جيهان ذلك اليوم بأنه كان “مسلسلاً من الرعب”. غاب نحو 700 رجل من البوعكاش في ليلة واحدة، حتى باتت القرية تُعرف في عموم العراق باسم آخر: قرية بلا رجال. القلة الذين عادوا حملوا آثار تعذيب واضحة، ولم يملكوا أي معلومة عن مصير البقية. “ناس تقول قتّلوهم، ناس تقول أشعلوهم وفجّروهم… كل واحد يقول شكل”، تقول جيهان. وفي كل عام، بحسب روايتها، تُفتح مقبرة جماعية في مكان ما بالأنبار، ويقول المسؤولون في كل مرة إنها تخص مفقودي بلدة أخرى — الصقلاوية، لا البوعكاش — قبل أن يُسحب الخبر بهدوء، لتُفتح جراح كانت بالكاد التأمت. وفي عام 2020، بعد أربع سنوات من الانتظار دون جواب، استسلمت جيهان وفعلت الشيء الوحيد الذي عرضته عليها الدولة العراقية: أصدرت شهادة وفاة لزوجها لتحصل على الإعانة الحكومية التي تُمكّنها من إعالة أبنائها الخمسة، الذين كان أكبرهم بعمر اثنتي عشرة سنة حين غاب والدهم.
في الثلاثين من آب/أغسطس من كل عام، تُحيي الأمم المتحدة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الذي أُقرّ للمطالبة بأمرين تحديداً: كشف الحقيقة عن مصير المفقودين، وتحقيق العدالة لعائلاتهم التي لا تزال تنتظر. يضع سجل العراق منذ عام 2003 هذا المطلب أمام اختبار قاسٍ كأي بلد آخر، ذلك أن من غيّبوا زوج جيهان سعد لم يكونوا تابعين لنظام سقط أو لتنظيم إرهابي هُزم — بل كانوا ينتمون إلى فصائل مسلحة تُعد، على الورق، جزءاً من الدولة العراقية نفسها، تعمل في العلن، عاماً بعد عام، تحت مظلة كل حكومة انتُخبت منذ سقوط النظام السابق. ما جرى في البوعكاش ليس حادثة معزولة، بل هو الفصل الأحدث في سجل متواصل امتد عشرين عاماً من تغييب الفصائل الشيعية المسلحة للعراقيين بإفلات شبه تام من العقاب، بدأ خلال عامين فقط من غزو عام 2003 ولم يتوقف فعلياً حتى اليوم.
أقبية وزارة الداخلية
بدأ النمط مبكراً، وبدأ من داخل الدولة نفسها. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2005، داهمت قوات أميركية وعراقية قبواً تحت مبنى تابع لوزارة الداخلية في منطقة الجادرية ببغداد، فعثرت على 173 معتقلاً يعانون سوء التغذية، وبحسب رئيس الوزراء العراقي حينها، تظهر عليهم علامات تعذيب؛ وكان 18 معتقلاً آخرين على الأقل قد توفوا رهن الاحتجاز هناك. روى أحد المعتقلين السابقين أن حراسه الشيعة قالوا له بصراحة: “لم يعد السُّنة في السلطة، وعلينا أن نأخذ ثأرنا.” كان المرفق يعمل تحت إشراف وزارة داخلية تهيمن عليها آنذاك منظمة بدر، وارتبط بوحدات الشرطة شبه العسكرية التابعة للوزارة، ومن بينها الوحدة التي اشتهرت لاحقاً باسم “لواء الذئب”. ولم يكن ذلك آخر موقع من نوعه: عُثر لاحقاً على منشأة سرية أخرى في مطار المثنى القديم ببغداد تضم 431 سجيناً، وصف أكثر من مئة منهم تعرضهم لصدمات كهربائية والخنق بأكياس بلاستيكية وضرب مبرح، وتوفي واحد منهم على الأقل جراء التعذيب.
وخارج أقبية الوزارة، عملت فرق الموت في العلن. فبحسب الأرقام الحكومية العراقية نفسها، تجاوز عدد القتلى في بغداد وحدها خلال تموز/يوليو وآب/أغسطس 2006 خمسة آلاف قتيل، معظمهم ضحايا إعدامات طائفية نُفذت في خضم حرب أهلية وثّقت خلالها منظمة هيومن رايتس ووتش مسؤولية جماعات شيعية مسلحة — جيش المهدي ومليشيا بدر بالاسم — عن أعداد كبيرة من عمليات الخطف والقتل التي طالت مدنيين سُنّة، رُميت جثثهم لاحقاً في الشوارع أو في نهر دجلة. أدى هذا العنف إلى تهجير ما بين 234 ألفاً و400 ألف شخص، بحسب اختلاف الإحصاءات. أما التحقيقات في أي من ذلك، فبحسب اعتراف الحكومة العراقية نفسها في حينه، لم تُسفر عن شيء يُذكر.
الموجة الثانية في حقبة داعش
عاد النمط نفسه إلى الظهور، بلا تغيير يُذكر، بعد أن استوعبت قوات الحشد الشعبي الفصائل الشيعية المسلحة في العراق لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية بعد عام 2014 — وهي مظلة منحت هذه الفصائل رواتب حكومية وسلاحاً حكومياً وشخصية قانونية رسمية، دون أن تُخضعها يوماً لمساءلة الدولة. تقع حادثة البوعكاش ضمن قضية أكبر وموثقة جيداً: أكدت منظمة العفو الدولية اختطاف 643 رجلاً وصبياً من منطقة الصقلاوية في الأنبار يومي 2 و3 حزيران/يونيو 2016، أثناء عملية استعادة الفلوجة — وتعتقد العائلات أن العدد الحقيقي أكبر من ذلك — وأن وحدات الحشد الشعبي، وهي جزء رسمي من القوات المسلحة العراقية، هي المسؤولة عنها. أعلن رئيس الوزراء آنذاك حيدر العبادي عن تشكيل لجنة تحقيق خلال أيام من الحادثة. وبعد سبع سنوات، أي في عام 2023، كانت منظمة العفو الدولية لا تزال تنتظر نشر نتائج تلك اللجنة؛ أما رد وزارة الخارجية العراقية، حين ورد أخيراً، فلم يتضمن أي معلومة جوهرية. ووصفت إحدى الشهادات التي جُمعت أثناء التحقيق كيف دفن عناصر من الحشد الشعبي أشخاصاً وهم أحياء.
أما تحقيق منظمة هيومن رايتس ووتش الخاص بالسنوات 2014 إلى 2017 — والذي وصفته المنظمة نفسها بأنه مجرد “لقطة” من نمط أوسع وما زال مستمراً — فقد وثّق 78 حالة فردية من حالات الاختفاء القسري، تراوحت أعمار ضحاياها بين 9 و70 عاماً، وكان جميعهم تقريباً من الرجال والصبية العرب السُّنة القادمين من مناطق كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية. ومن بين الحالات التي أمكن فيها تحديد الجهة المسؤولة، كانت فصائل الحشد الشعبي مسؤولة عن 36 حالة، تحمّل فصيل واحد منها — كتائب حزب الله — مسؤولية 28 حالة بمفرده. كما أسفر حاجز واحد فقط قرب كربلاء، عند الرزازة، عن 18 حالة اختفاء موثقة بين عامي 2015 و2017. ولم يقتصر هذا النمط على خطوط المواجهة مع داعش: ففي كانون الثاني/يناير 2016، وبعد تفجير نفذه داعش أودى بحياة 26 شخصاً في بلدة المقدادية، اجتاح مسلحون من لواء بدر وعصائب أهل الحق أحياء البلدة ذات الغالبية السُّنية، فقتلوا ما لا يقل عن اثني عشر شخصاً بحسب روايات محلية، وهدموا اثني عشر مسجداً سُنياً، واختطفوا رجالاً من منازلهم — كان بينهم شقيق أحد السكان، الذي قُتل، بحسب قوله، “لأنه سُنّي”. ولم يُحاسَب أحد على ذلك قط. وفي كل هذه الحالات، يتكرر النمط الذي تصفه جيهان سعد: عائلات تنتقل من مركز الشرطة إلى المحكمة إلى دائرة الاستخبارات ثم تعود أدراجها، لتجد في النهاية صمتاً مطبقاً، وإن كانت محظوظة بما يكفي لتحتاج ذلك، شهادة وفاة لا تستطيع إثباتها أصلاً.
منعطف الحركة الاحتجاجية
الفصائل نفسها التي أمضت عقداً كاملاً في تغييب رجال سُنّة بشبهة الانتماء لداعش، وجّهت الأدوات نفسها ضد متظاهرين علمانيين، أغلبهم من الشيعة، بمجرد أن بات وجودهم مزعجاً. فحين اندلعت حركة تشرين في تشرين الأول/أكتوبر 2019 مطالبةً بإنهاء المنظومة برمّتها التي تُنتج رجالاً كهؤلاء، أسفر القمع الذي تلاها عن مقتل المئات من المتظاهرين وإصابة الآلاف، لكن هناك رقماً أضيق وأكثر دلالة ربما، هو موجة الاختفاء القسري لنشطاء بعينهم رافقت تلك الأحداث؛ قضايا تناولتها مباشرة لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري، إذ أصدرت 28 طلب إجراء عاجل بخصوص متظاهرين غابوا بين عامي 2019 و2020. لم يُحلّ منها سوى نحو النصف. وبعد ست سنوات، أي في عام 2025، أفادت منظمة العفو الدولية بأنه من أصل نحو 2700 قضية جنائية رُفعت بشأن وفيات المتظاهرين واختفائهم، “لم تتحقق أي عدالة تقريباً، بل أُلغيت أحكام كثيرة”، وأن مذكرات توقيف صدرت أصلاً بحق ناشطين عام 2020 كانت لا تزال تُنفذ ضدهم فعلياً حتى أواخر عام 2024 — وتورطت فيها بشكل مباشر سرايا السلام، وهي فصيل من فصائل الحشد الشعبي موالٍ لمقتدى الصدر، في اعتقالات بلا مذكرات طالت الناجين أنفسهم من حملة القمع الأولى.
الدولة التي ما زالت ترفض تسمية الجريمة
ما يربط بين أقبية وزارة الداخلية عام 2005، وعمليات خطف الصقلاوية عام 2016، وحالات اختفاء متظاهري تشرين عام 2019، ليس فقط عشرين عاماً متواصلة، بل إخفاق واحد وثابت للدولة التي حكمت العراق طوال هذه الفترة كلها: فالاختفاء القسري لا يزال، حتى اليوم، لا يُعد جريمة قائمة بذاتها في القانون العراقي، وهي ثغرة أشارت إليها صراحةً لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري في مراجعتها لعام 2023 لسجل العراق. وهذا يعني أنه حتى حين يمكن تسمية فصيل بعينه وقائد بعينه، كما فعلت مراراً منظمتا هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، تبقى الجريمة التي ارتُكبت بحق عائلة كعائلة جيهان سعد غير قابلة للمحاكمة بوصفها ما هي عليه فعلاً. ويزيد قانون العقوبات العراقي الطين بلة: فالمادة 40 تمنح الموظفين حصانة عن أفعال ارتكبوها “تنفيذاً لأوامر رئيس أعلى”، وهي حصانة غطّت كل انتهاك ارتُكب تحت زي رسمي، من لواء الذئب إلى حاجز الرزازة. كما يتخلف النظام الجنائي الفني بالقدر نفسه: يدير العراق مختبراً واحداً معتمداً للحمض النووي على مستوى البلاد بأكملها، في بغداد، ما يُنتج تراكماً في ملفات تحديد الهوية يمتد غالباً لأكثر من خمس سنوات للعائلة الواحدة. وليس أي من هذا لغزاً بالنسبة لمن يملكون القدرة على إصلاحه. إنه يستمر لأن الفصائل المسؤولة عن معظم عمليات التغييب هي نفسها الفصائل التي تملك كتلها السياسية مقاعد في البرلمان الذي يُفترض أن يُشرّع هذا القانون.
يتحدث المسؤولون العراقيون عادة عن هذه الفصائل وكأنها مشكلة خارجة عن السيطرة تسعى الدولة جاهدة لاحتوائها — قوة متمردة من خارج جهاز الدولة تحاول الحكومة كبح جماحها. لكن هذا الطرح لا يصمد أمام واقع من يجلس فعلياً في سدة الحكم. فالأجنحة السياسية للفصائل نفسها التي وردت أسماؤها في هذا السجل — كتلة دولة القانون المحسوبة على حزب الدعوة والمرتبطة بنوري المالكي، الذي شهدت فترة حكمه أسوأ سنوات فرق الموت بين عامي 2006 و2008؛ وتحالف الفتح، الواجهة البرلمانية لمنظمة بدر بزعامة هادي العامري؛ والجناح السياسي لعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي — تجتمع كلها داخل “الإطار التنسيقي”، التحالف الشيعي الذي يسيطر على تشكيل الحكومة منذ نشأته إثر انتخابات عام 2021 المتنازع عليها. فبعد انسحاب الكتلة الصدرية من البرلمان عام 2022، حصل الإطار وحلفاؤه على نحو 130 مقعداً من أصل 329 مقعداً في البرلمان، وهي كتلة كافية بمفردها لاختيار رئيس الوزراء الذي يحكم منذ ذلك الحين. يعرف كل عراقي هذا الواقع بالعين المجردة، حتى وإن تجنّب المسؤولون قوله صراحة: فالدولة ليست حَكَماً منفصلاً يقف فوق هذه الفصائل، يزن ما إذا كان سيعاقبها أم لا. إنها، إلى حد بعيد، هذه الفصائل نفسها — وهذا هو السبب الحقيقي وراء عدم طرح أي قانون لتجريم الاختفاء القسري للتصويت حتى اليوم. فالفصائل التي يُفترض أن تُشرّع ضد نفسها هي نفسها التي تملك الأغلبية.
شهادة وفاة جيهان سعد هي، في النهاية، صورة مصغّرة عن المنظومة بأكملها. إنها ليست إجابة. إنها صفقة عرضتها عليها الدولة بديلاً عن الإجابة — ورقة سمحت للحكومة بأن تتوقف عن مواجهة سؤال لم تكن تنوي الإجابة عنه أصلاً، مقابل إعانة مكّنتها من إطعام أبنائها. اضرب هذه الصفقة في كل عائلة لا تزال تنتظر جواباً من الجادرية، ومن الصقلاوية، ومن اعتصام تشرين الذي مضت عليه ست سنوات، عندها تتضح مشكلة العراق: ليست سلسلة من الحوادث التاريخية المؤسفة، بل دولة أمضت عشرين عاماً وهي تشاهد الفصائل المسلحة نفسها تُغيّب أبناء شعبها، ولم تُحاسبها يوماً على ذلك.
