موسم زراعة براعم الفساد في العراق

تعيش شوارع العراق هذه الأيام بين مواكب الخيام والآيات الدينية ومحطات الشاي والقهوة لإحياء شعائر الأربعين الحسينية، وفي هذه المواكب تجد صورًا وشعارات مرشحي الأحزاب السياسية. ومع ذلك، في وسط هذه الطقوس الدينية، يعاني المواطن العراقي العادي من الاضطرابات التي تسببت بها هذه الفعاليات، حيث تم إغلاق الكثير من شوارع بغداد التي كانت مختنقة أصلاً بالازدحام المروري.

روى لي شخص كان في إحدى الحافلات أنه عندما وصلوا إلى منطقة القناة، واجهوا ازدحامًا خانقًا، فشرح السائق أن الجسر تم قطعه من قبل الجيش بسبب الزوار والمواكب. وبعد نصف ساعة من الانتظار، صرخت امرأة مسنّة قائلة: “لعنة الله على الحكومة الفاسدة!” فأجابها رجل مسنّ، كان يبيع القهوة، قائلاً: “نحن نستحق كل ما يحدث لنا.” وعندما سأل أحدهم لماذا، رد قائلاً: “لأننا منذ أكثر من 18 عامًا فشلنا في التخلص من الفساد وطرد جميع العمائم السوداء والبيضاء التي جلبت الخراب والنهب باسم الدين.”

هذا الموقف البسيط يعكس حجم الاستياء العميق الذي يشعر به العديد من العراقيين تجاه حكامهم ومؤسساتهم. وما لبث الركاب أن انضموا إلى هذا الحوار، إذ أطلقوا موجة من الشتائم على الأحزاب والمليشيات والحكومة الفاسدة العاجزة عن تنظيم أبسط الأمور، مثل حركة المرور، فكيف بها أن تدير مؤسسات دولة وشعبًا يتعدى الملايين؟ هذه اللحظة، على قصرها، تقدم صورة مؤلمة عن الوضع المأساوي في هذا البلد الذي يعاني من الضعف والانهيار.

ولكن يبقى السؤال الأهم: من الذي انتخب هؤلاء النواب وكيف تم ترشيحهم؟ الحقيقة التي يسمعها الجميع من أفواه العراقيين أنفسهم هي أن أي شخص يرغب في الترشح يجب أن يدفع مبلغًا لا يقل عن 250 ألف دولار ليتم قبوله في البرلمان. وبعد دخوله المنصب، يسترد هذا المبلغ، بل ويضاعفه من خلال الرشاوى والصفقات المشبوهة التي تُدار تحت عباءة الفساد البرلماني. لكل نائب في البرلمان مخصصات انتخابية تصل إلى مليار دينار عراقي (حوالي 700 ألف دولار)، مضروبة في عدد النواب البالغ 328، أي ما يعادل 230 مليون دولار. وهذه مجرد البداية، أما الفساد الفعلي فيشمل صفقات أخرى مثل الصفقة المشبوهة لشراء أجهزة انتخابية من شركة صغيرة لصيانة الأجهزة بمبلغ 135 مليون دولار، إضافة إلى العمولات والتكاليف المبالغ فيها.

وما زال الفساد مستمرًا، حيث تواصل الحكومة والمفوضية العليا الانتخابات التلاعب بالنتائج. ففي انتخابات 2021، تم إلغاء 22 محطة انتخابية في الأردن و16 في تركيا، ما يثير الشكوك حول التلاعب الذي وقع في هذه الدول.

وفي النهاية، يعترف العراقيون من جميع الأعمار بأن ما يجري في بلدهم هو مسرحية هزلية، حيث تتغير الوجوه ولكن الفساد يبقى. السياسيون المنتفعون يضحكون في رفاهية، بينما تذرف عيون الشعب العراقي دموعًا من الألم والخيبة، وهم يرون سنوات من المعاناة في ظل طغاة لا يأبهون لمستقبلهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *