وهم الديمقراطية في كردستان: الفساد والاستبداد خلف الستار

في صباح يوم 7 أكتوبر من العام الماضي، استيقظت عائلة الصحفي المستقل شروان شيرواني على مشهد مأساوي، حين اقتحمت قوة كبيرة من الشرطة منزلهم في ضواحي أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق. طُارد شيرواني داخل البيت، وتم تثبيت مسدس على رأسه، ثم اعتُقل بتهمة خطيرة: التجسس. ليس هذا مجرد حادث عابر، بل هو فصل من فصول القمع السياسي الممنهج الذي تعيشه كردستان، المنطقة التي يفترض أنها نموذج للديمقراطية والحكم الذاتي في الشرق الأوسط.

على مدى أكثر من 15 عامًا، كتب شيرواني مقالات نقدية جريئة تتناول فساد الحكومة الإقليمية التي تحكمها عائلتا بارزاني وطالباني — العائلتان اللتان تسيطران على السياسة والاقتصاد والأمن في كردستان. لم ترد السلطات على صرخات النقد والتحذير، بل اختارت الرد بالعنف والقمع، إذ يرى النظام في مثل هؤلاء الصحفيين والناشطين تهديدًا لنفوذه المستبد.

هذه الحادثة ليست حالة فردية، فقد اعتُقل خمسة أشخاص في شمال غرب كردستان، بتهم مشابهة بعد مشاركتهم في احتجاجات سلمية على تأخر رواتب موظفي القطاع العام عام 2020. محاكماتهم، التي أدانتهم بالسجن لفترات طويلة، وُصفت من قبل منظمة هيومن رايتس ووتش بأنها جاءت في ظل انتهاكات خطيرة لمعايير المحاكمة العادلة وتدخلات سياسية رفيعة المستوى.

رغم هذه الانتهاكات، تلتزم القوى الغربية، التي تعتمد على كردستان كحليف استراتيجي في مواجهة الإرهاب والتطرف، الصمت أو تقلل من أهمية هذه القضايا. فالإقليم، الذي حصل على شبه حكم ذاتي بعد فرض منطقة حظر الطيران عام 1991، يُنظر إليه كحصن استقرار في منطقة مضطربة، ولهذا يُفضل الكثير من الدول تجاهل الانتهاكات لاسيما وأنه لعب دورًا مهمًا في هزيمة تنظيم الدولة في العراق وسوريا.

لكن هذا الصمت يسهّل بقاء نظام سياسي مستبد يغلب عليه الطابع العائلي الحزبي، حيث تهيمن عائلتا بارزاني وطالباني على كل شيء، من البرلمان إلى وزارات الحكومة إلى الأجهزة الأمنية، ويشبه الأمر مشهدًا مسرحياً توزع فيه الأدوار ليبدو وكأن هناك ديمقراطية متعددة الأطراف، في حين أن الواقع هو غياب حقيقي لأي منافسة سياسية نزيهة.

كما أن الأزمة الاقتصادية تزداد سوءًا، فبالرغم من ثروات النفط الهائلة في الإقليم، لا تزال هناك أسئلة جوهرية حول مصير الأموال. وفق تقارير وتحليلات، لا تصل إلى خزينة الإقليم سوى نسبة ضئيلة من عائدات النفط، بينما يزداد الفساد والمحسوبية انتشارًا داخل المؤسسات الحكومية. هذه الحال أدت إلى تدهور الخدمات العامة وتراجع مستوى المعيشة، وهو ما أثار موجات احتجاجات متكررة على تأخر الرواتب وتردي الأوضاع، قوبلت بدورها بقمع وحملات تخويف.

المثير للسخرية أن هذه الحكومات، التي تدعي الديمقراطية والحداثة، تقضي في الوقت ذاته على أصوات النقد والمراقبة، معتبرة الصحفيين والناشطين خصومًا للأمن القومي. وهذا هو تناقض صارخ يفضح زيف الشعارات الديمقراطية ويبرز مدى استبداد النظام.

التحالف الاستراتيجي بين كردستان والدول الغربية لم يكن دائمًا على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان. لكنه اليوم بات يُستخدم كمبرر لتجاهل هذه القضايا، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية عاجلة. إذ إن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على أنقاض الحريات والقمع المستمر.

إن على قيادات كردستان أن تدرك أن مستقبل المنطقة لا يضمنه استمرار هيمنة العائلتين، أو احتكار الثروة والسلطة، بل عبر إرساء نظام ديمقراطي حقيقي يُمكن من تداول السلطة، ويكفل حرية التعبير والمساءلة والشفافية. ويجب أن يُدرك المجتمع الدولي أن دعم الديمقراطية في كردستان هو دعم للاستقرار الدائم، لا مجرد دعم لقاعدة عسكرية أو تحالف تكتيكي.

شجاعة الصحفي شيرواني، وصموده أمام المحاولات المتكررة لإسكاته، تجسد الروح الحقيقية لأكراد يسعون إلى وطن يحترم حقوق الإنسان والحريات، وطن تكون فيه الديمقراطية ليست فقط شعارًا بل واقعًا ملموسًا. حان الوقت لتحويل هذا الحلم إلى حقيقة.